درويشيّات..

لا تتركيني

لا تتركيني
وطني جبينك، فاسمعيني
لا تتركيني
خلف السياج
كعشبةٍ بريةٍ،

كيمامة مهجورةٍ
لا تتركيني
قمراً تعيساً
كوكباً متسولاً بين الغصون
لا تتركيني
حُرّاً بحزني
واحبسيني
بيد تصبُّ الشمس
فوق كُوى سجوني،
وتعوَّدي أن تحرقيني،
إن كنتي لي
شغفاً بأحجاري بزيتوني
بشبَّاكي … بطيني!
وطني جبينك، فاسمعيني
لا تتركيني!

أحبك أكثر

تكَبَّر .. تكَبَّر!
فمهما يكن من جفاك
ستبقى، بعيني ولحمي، ملاك
وتبقى، كما شاء لي حبنا أن أراك
نسيمك عنبر
وأرضك سكَّر
وإني أحبك .. أكثر

يداك حمائلْ
ولكنني لا أغني
ككل البلابلْ
فإن السلاسلْ
تعلمني أن أقاتلْ
أقاتلْ .. أقاتلْ
لأني أحبك أكثر!

غنائي خناجر وردْ
وصمتي طفولة رعد
وزنبقة من دماء
فؤادي،
وأنت الثرى والسماء
وقلبك أخضر..!
وَجَزْرُ الهوى، فيك، مَدّ
فكيف، إذن، لا أحبك أكثر
وأنتي، كما شاء لي حبنا أن أراك:
نسيمك عنبر
وأرضك سكَّر
وقلبك أخضر..!
وإنِّي طفل هواك
على حضنك الحلو
أنمو وأكبر!

جندي يحلم بالزنابق البيضاء

يحلُمُ بالزنابق البيضاءْ
بغصن زيتونِ ..
بصدرها المورق في المساء
يحلم – قال لي – بطائر
بزهرة ليمونِ
ولم يفلسف حلمه، لم يفهم الأشياء
إلّا كما يحسّها .. يشمّها
يفهم – قال اي – إنَّ الوطنْ
أن أحتسي قهوة أمي
أن أعود في المساء ..
سألته: والأرض؟
قال: لا أعرفها
ولا أحس انها جلدي ونبضي
مثلما يُقال في القصائدْ
وفجأة، رأيتها
كما أرى الحانوت .. والشارع .. والجرائد
سألته: تحبُّها
أجاب: حبي نزهةً قصيرةً
أو كأس خمر .. أو مغامرة
– من أجلها تموت؟
– كلاّ!
وكل ما يربطني بالأرض من أواصرِ
مقالةٌ نارية .. محاضرهْ!
قد عَلّموني أن أُحب حُبَّها
ولم أحس أن قلبها قلبي،
ولم أشم العشب، والجذور، والغصون ..
– وكيف كان حبّها
يلسع كالشموس .. كالحنين؟
أجابني مواجهاً:
– وسيلتي للحب بندقيهْ
وعودةُ الأعياد من خرائب قديمة
وصمت تمثال قديم
ضائع الزمان والهويهْ!

*
حدَّثني عن لحظة الوداع
وكيف كانت أُمُّهُ
تبكي بصمت عندما ساقوه
إلى مكان ما من الجبههْ
وكان صوت أُمه الملتاع
يحفر تحت جلده أُمنية جديدة:
لو يكبر الحمام في وزارة الدفاعْ
لو يكبر الحمام! ..
.. دخّن، ثم قال لي
كأنه قهرب من مستنقع الدماء:
حلمتُ بالزنابق البيضاءْ
بغصن زيتونِ ..
بطائر يعانق الصباح
فوق غصن ليمون ..
– وما رأيتْ؟
– رأيت ما صنعتْ
عوسجةً حمران
فجَّرتها في الومل .. في الصدور .. في البطون ..
– وكم قتلتْ؟
– يصعب أن أعدّهم ..
لكنني نلت وساماً واحداً

سألته، معذباً نفسي، إذن
صف لي قتيلاً واحداً.
أصلَحَ من جلسته، وداعب الجريدة المطويّهْ
وقال لي كأنه يُسمعني أُغنيهْ:
كخيمة هوى على الحصى
وعانق الكواكب المحطمهْ
كان على جبينه الواسع تاجٌ من دم
وصدره من دون أوسمهْ
لأنه لم يحسن القتال
يبدو أنه مزارع أو عامل أو بائع جوال
كخيمة الهوى على الحصى .. ومات
كانت ذراعاهُ
ممدودتان مثل جدولين يابسين
وعندما فتَّشْتُ في جيوبهِ
عن اسمه، وجدتُ صورتين
واحدة .. لزوجته
وواحدةً .. لطفلته ..
سألته: حزنت؟
أجابني مقاطعاً: يا صاحبي محمود
الحزنُ طيرٌ أبيضٌ
لا يقرب الميدان. والجنود
يرتكبون الإثم حين يحزنون
كنتُ آلةً تنفث ناراً وردى
وتجعل الفضاء طيراً أسودا
حدَّثني عن حبه الأولِ،
فيما بعد
عن شوارع بعيدهْ،
وعن ردود الفعل بعد الحرب
عن بطولة المدياع والجريدهْ
وعندما خبأ غي منديله سعلته
سألته: أنلتقي؟
أجاب: في مدينة بعيدهْ

حين ملأت كأسه سألته
مماحكاً: ترحل .. والوطن؟
أجاب: دعني ..
إنني أحلم بالزنابق البيضاء
بشارع مغرد ومنزل مضاء
أُريد قلباً طيباً، لا حشوة بندقيهْ
أُريد يوماً مشمساً، لا لحظة انتصار
مجنونةً .. فاشيَّهْ
أُريد طفلاً باسماً يضحك للنهار،
لا قطعةً في الآلة الحربية
جئت لأحيا مطلع الشمس
لا مغربها.

*
ودعني، لأنه .. يبحث عن زنابق بيضاء
عن يائر يستقبل الصباح
فوق عصن زيتون
لأنه لا يفهم الأشياء
إلّا كما يحسها .. يشمّها
يفهم – قال لي – إن الوطن
أن أحتسي قهوة أُمي .. أن أعود، آمناً مع، المساء

Comments are closed.